عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

197

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

قالوا : وسار عبّاد مع الحاج إلى فيد ، فخرجت عليهم عرب ، وكان عبّاد إذا أراد أمرا صرخ ، فيفعل له ما يريد بصرخته ، فصرخ يريد هزيمة العرب بصرخته ، فردّت عليه صرخته فمات مكانه ، واشتهر صوته بين الحاج بقيد ودفن بها . فأخبر الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه يقول بعدها بين الواقعتين : نازعني في حالي جميل بموته في يومه « 1 » . الحكاية الحادية والعشرون بعد المائة ذكر ما اتفق له في حكاية تقدّمت عن الشيخ القدوة أبي سعد السعود أحمد بن بكير الخزيمي قال : سمعت الشيخ محيي الدين عبد القادر رضي اللّه عنه يقول : أقمت في صحاري العراق وخرابه خمس وعشرين سنة ، مجردا سائحا ، لا أعرف الخلق ولا يعرفوني ، تأتيني طوائف من رجال الغيب والجانّ أعلمهم الطريق إلى اللّه عز وجلّ ، ورافقني الخضر عليه السلام في أول دخولي العراق ، وما كنت عرفته بعد ، وشرط عليّ ألا أخالفه ، وقال لي : اقعد ها هنا ، فجلست في المكان الذي أقعدني فيه ثلاث سنين ، يأتيني في كل سنة مرة ، يقول لي : مكانك حتى أعود إليك ، وكانت الدنيا وزخارفها وشهواتها تأتيني في صور ، فيحميني اللّه عز وجلّ من الالتفات إليها ، وتأتيني الشياطين في صور شتى مزعجات ويقاتلوني ، ويقويني اللّه تعالى عليهم ، وتبرز إليّ نفسي في صورة فتاة تتضرّع إليّ فيما تريده ، وتارة تحاربني فينصرني اللّه عليها ، وما حدّثت نفسي في حال البداية بطريق من طرق المجاهدات إلا ولازمته وأخذته بكلتا يدي . وأقمت زمانا في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات ، فمكثت سنة آكل المنبوذات ، وسنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام ، ونمت بإيوان كسرى في ليلة شديدة البرد ، فاحتلمت فقمت وذهبت إلى الشط ، واغتسلت في تلك الليلة أربعين مرة ، ثم صعدت على الإيوان خوف النوم ، وأقمت في خراب الكرخ سنين لا أقتات فيها إلا بالبردي ، ويأتيني رجل في رأس كل سنة بجبة صوف ، ودخلت في ألف فن حتى أستريح من دنياكم ، وما كنت أعرف إلا بالتخارس والبله والجنون ، وكنت أمشي حافيا في الشوك وغيره ، وما هالني شيء إلا سلكته ، ولا غلبتني نفسي فيما تريده قط ، ولا أعجبني شيء من زينة الدنيا قط بحال ، فقلت له : ولا لما كنت صغيرا ؟ قال : ولا لما كنت صغيرا « 2 » .

--> ( 1 ) انظر : بهجة الأسرار ( ص 161 ) . ( 2 ) انظر : قلائد الجواهر ( ص 198 ) بتحقيقنا .